بإدارة يوسف عجمي وفوزي سليمان.
جان شديد: دعم الدولة ضرورة لاستعادة نبض البلدة وتثبيت أبنائها في أرضهم
من قلب جبل الريحان في جنوب لبنان الجريح، تتربّع بلدة الجرمق في قضاء جزين على ارتفاع يقارب 400 متر فوق سطح البحر، شامخة كقلعة حصينة شكّلت على الدوام جزءاً أصيلاً من المشهد الريفي الجنوبي. وعلى الرغم من عقود طويلة من التهجير والمعاناة، ما زالت البلدة تحافظ على هويتها وحضورها، مستندة إلى تمسّك أبنائها بأرضهم وإصرارهم على إعادة الحياة إلى بلدتهم التي دفعت أثماناً باهظة منذ اندلاع الأحداث عام 1976.
ويؤكد رئيس بلدية الجرمق الأستاذ جان شديد أن البلدة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تراجع عدد السكان المقيمين، وضعف الحركة الاقتصادية، وغياب بعض الخدمات الأساسية، فضلاً عن استمرار تداعيات التهجير على الواقعين الاجتماعي والإنمائي. ويشير إلى أن المجلس البلدي يضع في صدارة أولوياته تثبيت الأهالي في أرضهم من خلال تحسين الخدمات، ودعم المشاريع الزراعية والإنتاجية، والعمل على تطوير البنية التحتية وتشجيع الاستثمار في البلدة.
ويشدد شديد على أن الجرمق، شأنها شأن العديد من القرى المهجّرة، لم تنل بعد ما تستحقه من اهتمام رسمي قياساً بحجم التحديات التي واجهتها على مدى عقود. ويرى أن الجهود التي بُذلت حتى اليوم تبقى دون المستوى المطلوب، مؤكداً استمرار المطالبة بمزيد من الدعم والرعاية الرسمية.
وفي هذا السياق، يوجّه شديد الشكر إلى دولة قطر التي تكفّلت بإعادة بناء كنيسة البلدة بعد حرب عام 2006، معرباً عن أمله في أن تشمل أي خطة مستقبلية لإعادة إعمار الجنوب بلدة الجرمق. كما يناشد فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء وضع البلدة ضمن أولوياتهم الإنمائية، مثمّناً في الوقت نفسه اهتمام مجلس الجنوب، ممثلاً برئيسه السيد هاشم حيدر، ومتابعته الدائمة لشؤون البلدة.
ويرى رئيس البلدية أن تحقيق عودة واسعة لأبناء الجرمق يتطلّب توفير مقومات الحياة الأساسية، وفي مقدمتها فرص العمل والخدمات والبنية التحتية، خصوصاً أن كثيرين استقروا في مناطق أخرى خلال سنوات النزوح الطويلة. ولا تزال آثار التهجير واضحة حتى اليوم من خلال الانخفاض الملحوظ في عدد السكان والتغيّرات التي طالت النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلدة.
وفي إطار تشجيع العودة، تعمل البلدية على تحسين الخدمات وتسهيل معاملات المواطنين، إلى جانب السعي لاستقطاب الاستثمارات ومتابعة احتياجات البلدة مع الجهات الرسمية والمانحة، بما يساهم في خلق فرص عمل وتحفيز أبناء الجرمق على الاستقرار فيها.
أما في ما يتعلق بملف الأراضي، فيوضح شديد أن الواقع العقاري في البلدة يحمل خصوصية تاريخية، إذ إن معظم الأراضي لم تكن مملوكة لأبناء الجرمق الذين كانوا يعملون فيها، ما أدى خلال سنوات الحرب إلى انتقال ملكية مساحات واسعة منها. ورغم ذلك، نجح أبناء البلدة في تأسيس تعاونية سكنية تمكنت من شراء نحو 500 ألف متر مربع لصالح أبناء الجرمق. ويشير إلى أن من أبرز التحديات الحالية عدم امتلاك البلدية أي عقار مصنف كملك بلدي خاص يمكن استثماره في مشاريع إنمائية يحتاج إليها الأهالي.
ويُعد القطاع الزراعي أحد أهم مقومات الصمود في الجرمق، حيث تُستثمر معظم الأراضي في زراعة الحبوب والأشجار المثمرة. إلا أن هذا القطاع، بحسب شديد، يحتاج إلى مزيد من التطوير، ولا سيما في مجالي الري والتسويق، بما يسهم في تحسين الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة. وفي هذا الإطار، تسعى البلدية بالتعاون مع وزارة الزراعة والجمعيات المعنية إلى دعم المزارعين عبر الإرشاد الزراعي وتقديم المساعدات المتاحة وتسهيل المعاملات.
ويعتبر شديد أن المشاريع المنفّذة خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها دار البلدية والكنيسة، شكّلت ركائز أساسية في مسار إعادة الحياة إلى البلدة، نظراً للدور الحيوي الذي تؤديه البلدية في متابعة شؤون المواطنين، ولأهمية الكنيسة في جمع أبناء البلدة وتعزيز ارتباطهم بقريتهم.
وعلى صعيد الخدمات، لا تزال الجرمق بحاجة إلى المزيد من المشاريع المتعلقة بالطرق وشبكات المياه والإنارة والري والخدمات العامة. ويؤكد شديد أن المياه تشكّل أولوية قصوى، مشيراً إلى أن هذا الملف يقع ضمن مسؤولية مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، فيما تواصل البلدية القيام بأعمال الصيانة اللازمة. كما عملت على تأمين منظومة طاقة شمسية للمؤسسة، تبرّع بها النائب أمل أبو زيد، بهدف دعم تشغيل المرافق الحيوية وتأمين الإنارة في ظل أزمة الكهرباء.
أما عين شقحة، التي كانت تشكّل مورداً مائياً مهماً للبلدة، فقد أصبحت عيناً موسمية تجف مع بداية فصل الصيف، ما يجعل من الصعب الاعتماد عليها كمصدر أساسي لتأمين المياه للسكان.
وفي ملف المشاعات، يلفت شديد إلى أن البلدية لا تملك حتى اليوم أي عقار مسجّل كملك بلدي خاص منذ عملية التحديد والتحرير عام 1949. ورغم المطالبات السابقة بإعادة المسح العقاري، لا يزال هذا الملف ينتظر المعالجة الرسمية.
ويعرب رئيس البلدية عن أمله في أن تحظى الجرمق بمزيد من المشاريع والدعم الرسمي خلال المرحلة المقبلة، بما يساعدها على استعادة دورها وحيويتها.
ويختتم شديد برسالة وجدانية إلى أبناء الجرمق في لبنان والانتشار، داعياً إياهم إلى التمسك بأرضهم وقريتهم وعدم التفريط بها، وزيارتها والاستثمار فيها والمساهمة في نهضتها، مؤكداً أن مستقبل الجرمق يبقى مرتبطاً بأبنائها. كما يشدد على أن هوية البلدة تقوم على قيم العيش المشترك والعلاقات المتينة مع القرى المجاورة، وهي قيم تشكل الأساس للحفاظ على رسالتها واستعادة نبض الحياة فيها.





















